محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عوسج . قال معمر ، عن قتادة : عصا موسى من العوسج ؛ والشجرة من العوسج . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض من لا يتهم ، عن بعض أهل العلم إِنِّي آنَسْتُ ناراً قال : خرج نحوها ، فإذا هي شجرة من العليق ، وبعض أهل الكتاب يقول : هي عوسجة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : رأيت الشجرة التي نودي منها موسى عليه السلام ، شجرة سمراء خضراء ترف . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا . . . يَدَكَ فِي جَيْبِكَ . . . إِلى فِرْعَوْنَ يقول تعالى ذكره : نودي موسى : أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فألقاها موسى ، فصارت حية تسعى . فَلَمَّا رَآها موسى تَهْتَزُّ يقول : تتحرك وتضطرب . كَأَنَّها جَانٌّ والجان : واحد الجنان ، وهي نوع معروف من أنواع الحيات ، وهي منها عظام . ومعنى الكلام : كأنها جان من الحيات . وَلَّى مُدْبِراً يقول : ولى موسى هاربا منها . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلَّى مُدْبِراً فارا منها . وَلَمْ يُعَقِّبْ يقول : ولم يرجع على عقبه . وقد ذكرنا الرواية في ذلك ، وما قاله أهل التأويل فيما مضى ، فكرهنا إعادته ، غير أنا نذكر في ذلك بعض ما لم نذكره هنا لك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلَمْ يُعَقِّبْ يقول : ولم يعقب ، أي لم يلتفت من الفرق . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَلَمْ يُعَقِّبْ يقول : لم ينتظر . وقوله : يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ يقول تعالى ذكره : فنودي موسى : يا موسى أقبل إلي ولا تخف من الذي تهرب منه . إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ من أن يضرك ، إنما هو عصاك . وقوله : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ يقول : أدخل يدك . وفيه لغتان : سلكته ، وأسلكته فِي جَيْبِكَ يقول : في جيب قميصك . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ : أي في جيب قميصك . وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله أمر أن يدخل يده في الجيب دون الكم . وقوله : تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يقول : تخرج بيضاء من غير برص . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا ابن المفضل ، قال : ثنا قرة بن خالد ، عن الحسن ، في قوله : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ قال : فخرجت كأنها المصباح ، فأيقن موسى أنه لقي ربه . وقوله : وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ يقول : واضمم إليك يدك . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ قال : يدك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ قال : وجناحاه : الذراع . والعضد : هو الجناح . والكف : اليد ، اضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ . وقوله : مِنَ الرَّهْبِ يقول : من الخوف والفرق الذي قد نالك من معاينتك ما عاينت من هول الحية . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله مِنَ الرَّهْبِ قال : الفرق . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ : أي من الرعب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله مِنَ الرَّهْبِ قال : مما دخله من الفرق من الحية والخوف ، وقال : ذلك الرهب ، وقرأ قول الله يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً قال : خوفا وطمعا . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء